ابن إياس
114
نزهة الامم في العجائب والحكم
وكان إليه أمور ديار مصر مفوضة هو والأمير سلار ، والناصر تحت حجرهما لا يقدر شبع بطنه إلا من تحت أيديهما . فتقدم أمر الأمير بيبرس ألا يرمى الأصبع في النيل ولا يعمل له عيد ، وندب الحجاب ووالى القاهرة لمنع الناس من الاجتماع بشيرا على عاداتهم ، وخرج البريديونى إلى سائر أعمال مصر وأعمال مصر ومعهم الكتب إلى الولاة باجهار النداء وإعلانه في الأقاليم بأن لا يخرج أحد من النصارى ولا يحضر لعمل عيدا الشهيد . فشق ذلك على أقباط مصر كلهم ، ممن أظهر منهم الإيمان ومن هو باق على نصرانيته ، ومشى بعضهم إلى بعض . وكان منهم رجل يعرف بالتاج بن سعيد الدولة يعاني الكتابة ، وهو يومئذ في خدمة الأمير بيبرس ، وقد احتوى على عقله ، واستولى على جميع أموره ، فما زال الأقباط بالتاج إلى أن تحدث مع مخدومه الأمير بيبرس في ذلك ، وخيله من اتلاف مال الخراج إذا أبطل هذا العيد ، فإن أكثر خراج شبرا إنما يحصل من ذلك ، وقال له : متى لم يعمل العيد لا يطلع النيل [ ق 94 ب ] في تلك السنة ويخرب أقليم مصر لعدم طلوع النيل ، وهذه قاعدة مصر على ذلك . فثبت الله الأمير بيبرس وقواه حتى اعترض عن جميع ما ذكره من زخرف القول ، واستمر على منع عمل العيد وقال للتاج : إن كان النيل لا يطلع إلا بهذا الأصبع فلا يطلع ، وإن كان الله تعالى هو الذي يطلعه ، فنكذب النصارى . فبطل العيد من تلك السنة ، ولم يزل منقطعا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة . وعمر الملك الناصر محمد بن قلاوون الجسر في بحر النيل ليرى قوة التيار عن القاهرة ، فطلب الأمير يبلغا اليحياوى والأمير الطنبغا المارديني من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدة فلم يرضى السلطان بذلك وأراد صرفهما عن السفر . فقال لهما : نحن نعيد عمل عيد الشهيد حتى تفرجكما عليه خير من خروجكما إلى الصيد ، وكان قد قرب أوان وقت عيد الشهيد - فرضيا بذلك وأشيع في الأقليم إعادة عيد الشهيد . فلما كان [ ق 95 أ ] اليوم الذي يعمل فيه ركب الأمراء في النيل في الشخانير ، واجتمع الناس من كل جهة على عادتهم كما كانوا يفعلون من المحرمات وأنواع المنكرات ، واتسع الأمر توسعا خرجوا فيه عن الحد في كثرة المبالغة من التجاهر والتهتكات فوق ما كان يعمل واستمروا علي ذلك ثلاثة أيام .